الشنقيطي

71

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

وقد أمره في موضع آخر بالإعراض عن المتولين عن ذكر اللّه ، والذين لا يريدون غير الحياة الدنيا ، وبين له أن ذلك هو مبلغهم من العلم ؛ وذلك في قوله تعالى : فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَياةَ الدُّنْيا ( 29 ) ذلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ [ النجم : 29 - 30 ] . وقوله في هذه الآية الكريمة : مَنْ أَغْفَلْنا يدل على أن ما يعرض للعبد من غفلة ومعصية ، إنما هو بمشيئة اللّه تعالى ؛ إذ لا يقع شيء البتة كائنا ما كان إلا بمشيئته الكونية القدرية ، جل وعلا ، وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ [ الإنسان : 30 ] الآية ، وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكُوا [ الأنعام : 107 ] ، وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها [ السجدة : 13 ] ، وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى ، خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ [ البقرة : 7 ] الآية ، وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً [ الأنعام : 25 ] إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أن كل شيء من خير وشر ، لا يقع إلا بمشيئة خالق السماوات والأرض . فما يزعمه المعتزلة ، ويحاول الزمخشري في تفسيره دائما - تأويل آيات القرآن على نحو ما يطابقه من استقلال قدرة العبد وإرادته فأفعاله دون مشيئة اللّه ، لا يخفى بطلانه كما تدل عليه الآيات المذكورة آنفا ، وأمثالها في القرآن كثيرة . ومعنى اتباعه هواه : أنه يتبع ما تميل إليه نفسه الأمارة بالسوء وتهواه من الشر ، كالكفر والمعاصي . وقوله : وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطاً ( 28 ) قيل : هو من التفريط الذي هو التقصير ، وتقديم العجز بترك الإيمان . وعلى هذا فمعنى وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطاً ( 28 ) أي كانت أعماله سفها وضياعا وتفريطا . وقيل : من الإفراط الذي هو مجاوزة الحد ، كقول الكفار المحتقرين لفقراء المؤمنين : نحن أشراف مضر وساداتها ! إن اتبعناك اتبعك جميع الناس . وهذا من التكبر والإفراط في القول . وقيل « فرطا » أي قدما في الشر . . من قولهم : فرط منه أمر ، أي سبق . وأظهر الأقوال في معنى الآية الكريمة عندي بحسب اللغة العربية التي نزل بها للقرآن أن معنى قوله « فرطا » : أي متقدما للحق والصواب ، نابذا له وراء ظهره ؛ من قولهم : فرس فرط ، أي متقدم للخيل . ومنه قول لبيد في معلقته : ولقد حميت الخيل تحمل شكتي * فرط وشاحي إذ غدوت لجامها وإلى ما ذكرنا في معنى الآية ترجع أقوال المفسرين كلها ، كقول قتادة ومجاهد « فرطا » أي ضياعا . وكقول مقاتل بن حيان « فرطا » أي سرفا . كقول الفراء « فرطا » أي متروكا . وكقول الأخفش « فرطا » أي مجاوزا للحد ، إلى غير ذلك من الأقوال . قوله تعالى : وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ [ 29 ] . أمر اللّه جل وعلا نبيه صلّى اللّه عليه وسلّم في هذه الآية الكريمة - أن يقول للناس : الحق من ربكم .